إكراماً لمحمّد اتركني
سحر عبد القادر اللبّان
كنت وصديقي أحمد منهمكان برص المشتريات في صندوق السيارة، فاليوم السبت وهذا يعني أنه يوم إجازة ويوم شراء لكل ما نحتاجه خلال الأسبوع، وكنا قد واعدنا صديقا لنا بتمضية السهرة عنده، لذا، كنا في عجلة من أمرنا، فالوقت تأخر وصرفنا وقتا طويلا في المتجر الكبير بسبب الزحام الذي فيه.
وفيما نحن نضع آخر المشتريات في الصندوق إذ بيد تربت على كتف أحمد ، التفتنا سويا لأتفاجأ برجل شرطة في رتبة ملازم أول يتقدم من صديقي ويعانقه بشدة، والذي زاد استغرابي مناداة صديقي له بأخي.
اذن فهو مسلم، ولكن اسمه وشكله لا يدلان على ذلك، فقد كان اسمه مستر جون، وشكله أسترالي أصلي.
كان لقاؤهما سريعا، اعتذر صديقي له بتأخرنا على الموعد، وطالبه باتصال أو لقاء، ثم ودعناه وركبنا السيارة منطلقين إلى منزل الصديق.
ونحن في الطريق التفت إلى صديقي وسألته عن الملازم الذي قابلناه قبل قليل، مستغربا بشدة علاقتهما الحميمة التي وضحت في عناقهما.
ضحك صديقي وقال: أرأيت هذا الرجل؟ إن وراءه قصة من أغرب القصص التي مرت علي هنا.
وغلبني الفضول، ما هي قصته يا ترى؟ علي أن أعرفها.
فنظرت إليه وقلت بنبرة رجاء: أخبرني قصته لو سمحت.
هز رأسه موافقا، وراح يسترجع ذكرياته وقال:
حصلت الحادثة منذ زمن طويل، بعد قدومي إلى هذا البلد واندماجي مع الشباب بالدعوة إلى الإسلام.
في مساء يوم شتوي شديد البرودة ، كنت أجهز طعامي وأنا أشعر بانهاك شديد من تعب العمل.
قرع باب البيت، نظرت إلى الساعة، إنها شارفت الثامنة ليلا، من تراه القادم؟
لا أظنه أحدا من أصدقائي، فالكل يعرف أنني خلال أيام الأسبوع أعمل دوامين ولا أعود إلى البيت إلا في ساعة متأخرة.
فتحت الباب والأفكار تسابقني، وكانت المفاجأة، وجدت أمامي ضابط الشرطة الذي قابناه قبل قليل.
زيارته أشعرتني بالقلق والخوف، رجل شرطة في بيتي، يا إلهي ماذا يريد؟
وزاد خوفي عندما سألني عن مستر أحمد
قلت له بصوت متقطع من الرهبة والترقب: هو أنا، هل هناك إشكال ما؟
وتزاحمت في فكري قصص بعض الأصحاب الذين خالفوا القانون دون علم به وكانت عاقبتهم الطرد من البلد وبعضهم السجن و الطرد معا، ورحت أجول في ذاكرتي علني أجد مخالفة ما اقترفتها يعاقب عليها القانون.
آه…ماذا تراني فعلت، وما هو مصيري؟ يارب ارحمني، فأنا في بلد غريب لا أهل ولا ملاذ لي فيه
أفكار تسارعت إلى ذهني وأنا أنظر إلى الشاب وأنتظر رده الذي أزال عني بعض القلق لا كله.
رد الشاب على سؤالي قائلا: هل تسمح لي بالدخول؟ فأنا أريد أن أتكلم معك قليلا، وليس من الخير التكلم أمام الباب.
أسرعت وشرعت له الباب مرحبا به، وأوصلته إلى غرفة الجلوس.
وقف في وسط الغرفة يقلب ناظريه في الكتب الكثيرة الموجودة هناك
ثم التفت إلي بسرعة وقال بنبرة فيها القليل من الاطمئنان: أخبرني عن الإسلام.
حينها فقط تنفست الصعداء، وارتاحت قسماتي.
قدمت له كتيبا صغيرا يحكي عن الإسلام باللغة الإنكليزية وقلت له وابتسامة ترحيب تغلف وجهي: تسلى بقراءته بينما أقوم بتجهيز العشاء لكلينا، فأنا أشعر بجوع قاتل.
هز رأسه موافقا، فأسرعت إلى المطبخ وأنا أفكر بأمر هذا الزائر، لماذا يسأل عن الإسلام، ولماذا أنا بالذات؟
بعد ربع ساعة كنت قد جهزت عشاء متواضعا وجلسنا نتناوله بصمت وهدوء.
أنهينا العشاء وجلسنا بعده نرتشف الشاي
حينها نظرت إلى الشاب وقلت له: لماذا تريد أن تتعرف على الإسلام، ولماذا اخترتني أنا وكيف وصلت إلي؟
تبسم الشاب وكان اسمه مستر جون وقال: لو أخبرتك بالأمر لاستغربت
ذات يوم وبينما كنت بالخدمة اذ بهم يحضرون لنا فتى صغيرا قبض عليه وهو يسرق من دكان، كان الفتى لا يتجاوز الحادية عشرة من عمره، وكنا بالمكتب أنا وزميلي الذي بدأ يستجوب الفتى بصلافة ، وهدده بارساله إلى النيابة العامة، وما أدراك ما النيابة العامة، أطرق الولد يبكي بحرقة، فشعرت بالشفقة عليه، ان أرسلناه للنيابة العامة خسر مستقبله، لماذا لا نعطه الفرصة علّه يتوب.
فنظرت إلى زميلي وقلت له برجاء: لنكتف الآن بمحضر ونتركه بعد أن يعدنا بعدم العودة للسرقة، فإن عاد أرسلناه للنيابة العامة.
ما إن سمع الفتى كلامي حتى أمسك بذيل بنطالي بترجّ وهو يردّد: إكراما لمحمّد لا ترسلني الى النيابة العامّة، أعدك أن لا أعود للسرقة مجدّداً. بحقّ ربّ محمّد اتركني، ولن أعود أبداً.
كلماته هزّتني لا أعرف لماذا،لكن من هو محمد هذا الذي يتكلّم عنه هذا الفتى بهذا الشكل؟
زميلي ما ان سمع توسّلاته حتّى غضب بشدّة وقال بنبرة ملؤها الحقد: أمحمّد يدعوك للسرق














