إكراماً لمحمّد اتركني

كانون الأول 18th, 2008 كتبها سحر اللبان نشر في , من ذكريات داعية

إكراماً لمحمّد اتركني

سحر عبد القادر اللبّان

كنت وصديقي أحمد منهمكان برص المشتريات في صندوق السيارة، فاليوم السبت وهذا يعني أنه يوم إجازة ويوم شراء لكل ما نحتاجه خلال الأسبوع، وكنا قد واعدنا صديقا لنا بتمضية السهرة عنده، لذا، كنا في عجلة من أمرنا، فالوقت تأخر وصرفنا وقتا طويلا في المتجر الكبير بسبب الزحام الذي فيه.

وفيما نحن نضع آخر المشتريات في الصندوق إذ بيد تربت على كتف أحمد ، التفتنا سويا لأتفاجأ برجل شرطة في رتبة ملازم أول يتقدم من صديقي ويعانقه بشدة، والذي زاد استغرابي مناداة صديقي له بأخي.

اذن فهو مسلم، ولكن اسمه وشكله لا يدلان على ذلك، فقد كان اسمه مستر جون، وشكله أسترالي أصلي.

كان لقاؤهما سريعا، اعتذر صديقي له بتأخرنا على الموعد، وطالبه باتصال أو لقاء، ثم  ودعناه وركبنا السيارة  منطلقين إلى منزل الصديق.

ونحن في الطريق التفت إلى صديقي وسألته عن الملازم الذي قابلناه قبل قليل، مستغربا بشدة علاقتهما الحميمة التي وضحت في عناقهما.

ضحك صديقي وقال: أرأيت هذا الرجل؟ إن وراءه قصة من أغرب القصص التي مرت علي هنا.

وغلبني الفضول، ما هي قصته يا ترى؟ علي أن أعرفها.

فنظرت إليه وقلت بنبرة رجاء: أخبرني قصته لو سمحت.

هز رأسه موافقا، وراح يسترجع ذكرياته وقال:

حصلت الحادثة منذ زمن طويل، بعد قدومي إلى هذا البلد واندماجي مع الشباب بالدعوة إلى الإسلام.

في مساء يوم شتوي شديد البرودة ، كنت أجهز طعامي وأنا أشعر بانهاك شديد من تعب العمل.

قرع باب البيت، نظرت إلى الساعة، إنها شارفت الثامنة ليلا، من تراه القادم؟

لا أظنه أحدا من أصدقائي، فالكل يعرف أنني خلال أيام الأسبوع أعمل دوامين ولا أعود إلى البيت إلا في ساعة متأخرة.

فتحت الباب والأفكار تسابقني، وكانت المفاجأة، وجدت أمامي ضابط الشرطة الذي قابناه قبل قليل.

زيارته أشعرتني بالقلق والخوف، رجل شرطة في بيتي، يا إلهي ماذا يريد؟

وزاد خوفي عندما سألني عن مستر أحمد

قلت له بصوت متقطع من الرهبة والترقب:  هو أنا، هل هناك إشكال ما؟

وتزاحمت في فكري قصص بعض الأصحاب الذين خالفوا القانون دون علم به وكانت عاقبتهم الطرد من البلد وبعضهم السجن و الطرد معا، ورحت أجول في ذاكرتي علني أجد   مخالفة ما  اقترفتها يعاقب عليها القانون.

آه…ماذا تراني فعلت، وما هو مصيري؟  يارب ارحمني، فأنا في بلد غريب لا أهل ولا ملاذ لي فيه

أفكار تسارعت إلى ذهني وأنا أنظر إلى الشاب وأنتظر رده الذي أزال عني بعض القلق لا كله.

رد الشاب على سؤالي قائلا: هل تسمح لي بالدخول؟ فأنا أريد أن أتكلم معك قليلا، وليس من الخير التكلم أمام الباب.

أسرعت وشرعت له الباب مرحبا به، وأوصلته إلى غرفة الجلوس.

وقف في وسط الغرفة يقلب ناظريه في الكتب الكثيرة الموجودة هناك

ثم التفت  إلي بسرعة وقال بنبرة فيها القليل من الاطمئنان: أخبرني عن الإسلام.

حينها فقط تنفست الصعداء، وارتاحت قسماتي.

قدمت له كتيبا صغيرا يحكي عن الإسلام باللغة الإنكليزية وقلت له وابتسامة ترحيب تغلف وجهي: تسلى بقراءته بينما أقوم بتجهيز العشاء لكلينا، فأنا أشعر بجوع قاتل.

هز رأسه موافقا، فأسرعت إلى المطبخ وأنا أفكر بأمر هذا الزائر، لماذا يسأل عن الإسلام، ولماذا أنا بالذات؟

بعد ربع ساعة كنت قد جهزت عشاء متواضعا وجلسنا نتناوله بصمت وهدوء.

أنهينا العشاء وجلسنا بعده نرتشف الشاي

حينها نظرت إلى الشاب وقلت له: لماذا تريد أن تتعرف على الإسلام، ولماذا اخترتني أنا وكيف وصلت إلي؟

تبسم الشاب وكان اسمه مستر جون وقال: لو أخبرتك بالأمر لاستغربت

ذات يوم وبينما كنت بالخدمة اذ بهم يحضرون لنا فتى صغيرا قبض عليه وهو يسرق من دكان، كان الفتى لا يتجاوز الحادية عشرة من عمره، وكنا بالمكتب أنا وزميلي  الذي بدأ يستجوب الفتى بصلافة ، وهدده بارساله إلى النيابة العامة، وما أدراك ما النيابة العامة، أطرق الولد يبكي بحرقة، فشعرت بالشفقة عليه، ان أرسلناه للنيابة العامة خسر مستقبله، لماذا لا نعطه الفرصة علّه يتوب.

فنظرت إلى زميلي وقلت له برجاء: لنكتف الآن بمحضر ونتركه بعد أن يعدنا بعدم العودة للسرقة، فإن عاد أرسلناه للنيابة العامة.

 ما إن سمع الفتى كلامي حتى أمسك بذيل بنطالي بترجّ وهو يردّد: إكراما لمحمّد لا ترسلني الى النيابة العامّة، أعدك أن لا أعود للسرقة مجدّداً. بحقّ ربّ محمّد اتركني، ولن أعود أبداً.

كلماته هزّتني لا أعرف لماذا،لكن من هو محمد هذا الذي يتكلّم عنه هذا الفتى بهذا الشكل؟

زميلي ما ان سمع توسّلاته  حتّى غضب بشدّة وقال بنبرة ملؤها الحقد: أمحمّد يدعوك للسرق


المزيد


أمن أهل الجنة أنا أم من أهل النار؟

أيلول 15th, 2008 كتبها سحر اللبان نشر في , من ذكريات داعية

 

 122148

الجوّ شديد البرودة، فبرد أستراليا غالباً ما يكون قاسياً، ركبت

السيّارة مع صديقي أحمد في طريق عودتنا من عقيقة ابن صديق غالٍ جداً، وفي الطريق، بينما أحمد صامت يركّز على القيادة سرحت في أفكاري، فتذكّرت الحفل وكيف كان جميلاً وقد لبّى الإخوة جميعهم الدعوة، فسمير غالٍ على الجميع، يحبّونه لأخلاقه العالية ولتفانيه في نشر الدعوة، وبذل كلّ ما يستطيع في سبيل ذلك.

من يراه وللوهلة الأولى يظنّه أستراليّاً أصليّاً، بسبب شكله الذي يشبه الأستراليين، وبسبب جهله التامّ للغة العربيّة، إلا أنّه ليس كذلك، وقد تكون أمّه أستراليّة فورث عنها جمالها.. إلى هنا توقّفت بأفكاري والتفتّ إلى أحمد متسائلاً: قل لي، هل أمّ سمير أستراليّة الأصل؟
التفت إليّ أحمد باستغراب، وردّ سؤالي بسؤال من عنده: ولم تظنّ هذا؟.
- شكله يوحي لي أنّه من أصل غير عربيّ.
- لا، بل هو من أبوين عربيين، فهما من لبنان..ألا تعرف قصّة سمير وأهله؟؟
- لا، وليتك تقصّها عليّ، فأنا متشوّق لمعرفة كلّ شيء عن سمير..
هزّ أحمد رأسه موافقاً، وقال: سمير كان اسمه الحقيقيّ سام، وأنا من أطلقت عليه اسم سمير، وكذلك أطلقت على أخيه بل اسم نبيل، وهذا منذ زمن طويل، بعد وصولي إلى أستراليا بشهرين.. كنت حينها أشعر بغربتين، غربة البلد وغربة البعد عن الأهل والأصحاب، وكنت أصرف أوقات فراغي في المسجد، وهناك تعرّفت على بعض شباب الدعوة، فصاحبتهم، وصاروا يزورونني في البيت، وكثيراً ما كنت أخرج معهم في تجوالهم على القرى والمدن في بحثهم عن مسلمين..
وفي مرّة خرجت معهم في سفرة لهم، وكنت أخرج معهم في سبيل التسلية وتمضية الوقت بالصحبة الطيّبة، ركبنا السيّارة وسرنا مسافة ثماني ساعات متواصلة، حتّى شعرنا بالتعب، والجوع، وكنّا على مشارف بلدة صغيرة تسمّى دابو… فرحت كثيراً عندما عرفت أنّنا أصبحنا قريبين من البلدة، إلا أنّ فرحتي لم تدم طويلاً، وذلك عندما سمعت أخاً لنا يقول إنّ مجموعة سابقة أتت البلدة ولم تجد فيها مسلمين، لذا، فهي ليست البلدة المطلوبة، وأنّ علينا تكملة الطريق.
يا الله… هذا يعني أنّنا سنستمرّ بالسير لساعات بعد، التعب أضناني، والجوع أنهكني، كم أحلم بوجبة طعام وسرير..
نظرت إلى الطريق المؤدّية للبلدة، خفت أن نتجاوزها، فأسرعت قائلاً: لم لا نقصدها فنبات فيها وننطلق في طريقنا في الصباح، فالتعب نال منّا جميعاً؟
وكم كانت فرحتي بالغة عندما وجدت الأغلبية توافقني الرأي، وانحرفت السيارة، وأخذنا طريق البلدة، كم سنكون محظوظين إن وجدنا بسرعة فندقاً فيه أماكن شاغرة… لا يهمّني إن كانت الغرفة مشتركة، ما أريده الآن سريراً ألقي عليه تعب النهار..
وصلنا البلدة، وصرنا نسأل أهلها عن فندق ومطعم، فأرشدنا أحدهم إلى فندق في وسط البلدة.. أوقفنا السيارة وترجّلنا منها ونحن نشعر بالإنهاك، دخل أخ لنا الفندق يسأل عن الأماكن الشاغرة وعن السعر، كما أنّه يسأل عن مطعم قريب لنأكل..
وقفت خارج الفندق أشاهد واجهات المحلات والبضائع المعروضة فيها، وإذا بي أجد نفسي وجهاً إلى وجه مع شاب طويل عريض، أشقر الشعر، أزرق العينين، نظر إليّ بدهشة عارمة، وقال بانكليزية سليمة وبلكنة استراليّة: هل أنت مسلم؟
قد تسألني كيف عرف ذلك، نعم، سؤال وجيه، ولكن عندما تعرف أنّني حينها كنت أرتدي الزيّ الأفغانيّ وأضع على رأسي عمامة ، ومع لحيتي الطويلة فسؤاله لن يكون غريباً حينها، سألني وهو مستغرب وجود مسلمين في دابو.
أجبته:نعم، والحمد لله.
- وأنا أيضا مسلم.
ردّه صعقني، كيف يكون مسلماً وقد قالوا إنّهم أتوا إلى البلدة من قبل ولم يجدوا فيها مسلمين.
نظرت إليه وسألته: هل أنت ممّن دخل الإسلام حديثاً؟
- لا، بل أنا ولدت مسلماً، ومن أبوين مسلمين.
- وهل أبواك هنا في دابو؟
- طبعا، تفضلوا معي لمقابلتهما، فهما لن يصدّقا أنّ هناك في دابو مسلمين غيرنا.
طلبت من الإخوة تأجيل الأكل، وانطلقنا جميعاً مع الشابّ إلى بيت أهله، أدخلنا البيت الذي لم يكن فيه ما يوحي إلى عقيدة قاطنيه.
نادى على أهله، فخرجت الأمّ وهي سافرة، وأتى رجل عجوز جاوز السبعين من عمره، وسلّم علينا مستغرباً.
كان العجوز والد الشاب، والمرأة أمّه..
دعونا لتناول الطعام وللمبيت عندهم، رحبنا بالدعوة على أمل أن نساعد هذه العائلة المسلمة الوحيدة في دابو.
راح الوالدان يتكلّمان معنا العربيّة بطريقة مكسّرة توحي باهمالها وعدم استخدامها منذ سنوات طويلة.
بعد تناول الطعام حضر بقي

المزيد